ناصر حسين فنان يبتدع سيرته

علي رشيد

 

يتطلّب الاقتراب من عوالم و كائنات الفنان السوري ناصر حسين “ مقيم في برلين “  اقتراب من الذات وجغرافيتها . اقتراب من الوحدة وقسوتها . فالرسام يعيد بناء المشهد “ المكان “  الذي كثيرا ما يقودنا نحو القطيعة بضبابيتها . مشهد يراهن على النفي و النقصان ، على الافتراق السائدة بين الواقع بهشاشته ، وبين الوجود الضاج بالأسئلة التي تضاعف الحيرة وتكثف الاغتراب .

 

كائناته مألوفة لكنّها لا تشبه أحدا ، وبقدر ما تشير لحضورها تراها تنغمس في غيابها . تبتكر عزلتها . زاهدة ، بسيطة ، غير متعالية على القماشة ، ولا على فضائها المقتصد . تبدو بالوانها الباهتة كما لو أنها تتشكّل في ظلالها ، وتتماهى معها لتحمي نفسها من الزوال. تنظر نحونا بحيادية من يهندس حيرتنا ، وتجرّدنا من الكمال الذي نتلبّسه لنحمي به أنفسنا من البوح الذي يشير إلى اغترابنا. تتبادل معنا الأدوار ليصبح كل منّا مرآة الآخر ، وكينونته يستكشف من خلاله عوالمه ، وخيباته . نظراتها تثير نوعا من الحيرة ، وكمّا من الاستفهامات . نظرات تعمق الغموض  بدلا من تشيع الاطمئنان فهي تشير إلى عزلتنا بل إلى زمننا الذي يتماهي مع زمن اللوحة التي تحشد المتلقي على استعارة المشهد ، والتمثّل بمفرداته. مشهد لكائنات تنشد الوصول إلى خلاص يبيح لها نوعا من الاطمئنان ، أو إلى أحلام مؤجلة تسعى له .

 فنان ينقّب بذواتنا. يشتغل على إنسانه الغير حافل بالملامح ، يسرد سيرته ، كينونته ،  دون أن يشغلنا بالتفاصيل . المتأمل لأعماله ستجذبه قدرته  على أن يشير للحكاية دون أن يبيح بها ، فهو يحرص إلى تشذيب اللوحة من ضجيجها ، وبدراية العارف يرسم شخوصه على هيئة تبدو كما لو أنها تتجرّد من وجودها لتتيح للفكرة الكامنة خلفها إلى الحضور . فكائناته حافلة بسيّر غامضة ، وفصاحة مكتومة . فهي تستلقي على سطح العمل دون أن تلامسه . تحفل بهامشيتها ، وتقشفها، فيبدو محيطها زاهد ، وموحش لكنه ثري في إحالاته . يعرف كيف يستدرجنا إلى أن نخوض معه تأثيث الفضاء ، وتوجيهه نحو معان مبتكرة . كذلك يحفّز الحواس ، والمخيلة لقراءة النص وتضمينه بصريا والتناص معه .

 

ساعدته حرفته الأكاديمية ، وحساسيته العالية في استخدام اللون بما ينسجم مع عوالم شخوصه النفسية ، والحياتية . هي في الغالب شخوص أدمنت فردانيتها لذلك سيطرت ، وتوزعت مساحات كبيرة من اللون الرمادي ، والبني الغامق على تكوّنها ،  أو على الفضاء الذي يحيط بها . غالبا ماتبدو ضربات لونية سريعة ، ومباشرة ، وبحركة دينامكية تبتكر عفوية الأشكال التي تلوح أكثر ثباتا من حقيقتها وسط عوالم متقشفة في الغالب تمنحها سلطة النص دون أن تتغافل عن القيمة الجمالية التي تحفل بها . كثيرا ما يرشح ناصر ألوانه من حدتها . فالوانه غالبا ماتبدو باهتة ، خفية تنحاز لمدلولها المعرفي ، وفضاءاتها المتخيلية المبتكرة على حساب تشكّلها الفيزيائي  .

بعد مايقارب من ست سنوات من إقامته في برلين تاركا خلفه مدينته حلب التي التهمتها الحرب مثلما التهمت خارطة البلاد . بقيّ الفنان وفيّا لذاكرته بخزينها المعرفي ، والبصري الذي تشكّل هناك ، لكنّه في الوقت نفسه هضم حضوره البرليني بثقافته البصرية ، والحياتية أيضا حتى يخيّل لي أن أعماله تتوزع جغرافيات متعدّدة لايمكن المسك بهوية شخوصه إلا من خلال مشاعتها ، وترقبها للقادم من خلال عزلتها .

 

ولد الفنان ناصر حسين في مدينة حلب السورية عام 1971. درس الفن في كلية الفنون الجميلة دمشق ، كذلك تتلمذ على يد الاستاذ سيغفريد انتسينغر في أكاديمية دوسلدورف في المانيا . رجع إلى بلاده سوريا للعمل في مجال الفن لكنه اضطر إلى مغادرتها إلى ألمانيا ثانية حيث يقيم في مدينة برلين .  أقام وساهم في العديد من المعارض المشتركة والفردية في العديد من دول العالم منها المانيا ، برلين ، لبنان ، الاردن ، الامارات ، مصر ، سوريا ، تونس  وغيرها .

 

محرر إلـــــــــــــى

الأعمال المرفقة للفنان ناصر حسين

 

started 1 MAY 2010                 email : info@ila-magazine.com

design: gitta pardoel logo: modhir ahmed   © ila-magazine