من أجل نبتة مسحورة

فاروق يوسف

 

البنت الباردة

 

أمي في الصورة لا تشبهني. هي تشبه اختي أكثر. كما لو أنهما اختان. حين ماتت أختي بقيت أمي وحيدة في الصورة. صارت لا تشبه أحدا. تقول انها لم تعد تنظر إلى المرآة. لا شيء هناك. لا صورتها ولا صورة مَن تشبهها. وحدها تجلس في المطبخ تنظر إلى الأبخرة المتصاعدة من القدور. تقول لي: «البخار يجعلني أنسى» تغطي وجهها بيديها كما لو أنها تبكي. أقف خاشعا غير أن صمتها يقلقني. لو أنها بكت لاطمئنت نفسي. أمد يدي إلى يديها فأجدهما باردتين. تقول لي من وراء يديها: «النسيان بارد. أليس كذلك؟»

 

البنت التي اختفت تنام باردة.

 

هو وحراسه

 

الله ينتظر. يقول الحطاب: «انتظرَ طويلا أمام الشجرة إلى أن وقعت التفاحة» تقول الأم الصغيرة وهي تشير إلى مهد طفلها: «أنتظرَ هنا إلى أن انشق المهد عن صرخة الطفل ورأيت ابتسامته». في الصحراء ينتظرنا وحين يرانا مقبلين يشعر بالأسى. «لهذا ضاع الارث كله» يقول ويدخل جنته.

 

الحراس يقفون في انتظار اله لن يعود إلى بيته.

 

قتيل أقل. هذا أفضل

 

أريد الرسائل لأنها لا تصل. أريد الموتى لأنهم لا يتكلمون. أريد الكرسي لأنه من خشب. أريد فنسنت لانه قطع أذنه. أريد الغابة لأن الحطاب نائم. أريد الجمهورية لأن الملك لا يزال طفلا. اريد امي بعد أن جربت نساء لا يشبهنها. اريد الدرس وقد كنت فاشلا. اريد المتاهة بعد البيت. اريد النوم لأنني أهذي بلغات لا افهمها. اريد العشبة لان الغابة شاسعة. اريد الشمس لان الظل خانني. اريد قصبة وحيدة لكي انفخ هوائي. اريد اللقلق لكي اطير بجزعي. اريد الكرخ من أجل ابن زريق. اريد حمامتي وقد هبطت قسرا. اريد لغة من أجل كلمة لم تخترع بعد. أريد حديقة بحجم بلاد لزهرة ضيعتها. اريد المخدة المعبئة بأحلامي لأصل إلى بيتي.

 

***

 

هناك خلاف دائم بين الجهات الحاكمة في العراق المحتل وبين العالم بشأن أعداد القتلى (ضحايا الغدر) من العراقيين. تلك الجهات تعتقد أن العالم يبالغ في الارقام. فحين تقول وكالة أنباء ما أن ثلاثين شخصا سقطوا قتلى اثر انفجار سيارة مفخخة، تسارع تلك الجهات لا إلى نفي الخبر أو تكذيبه بل إلى القول أن القتلى كانوا (29) وليسوا ثلاثين. هناك شخص واحد لم يقتل إذاً. شخص قد يكون قتيلا مؤجلا غير أنه حتى ساعة اعداد البيان لم يُقتل بعد. الحقيقة هي التي تنتصر لذلك الشخص فيما تخذل الآخرين من القتلى. تخيلت القتيل الذي لم يُقتل بعد وهو يهتز طربا بعد أن ادرك أن بقاءه حيا يعني الكثير في ميزان القوى. فبسبب الاختلاف الرقمي صار مرئيا كما لم يكن في اية لحظة سابقة من حياته. يقول بثقة: «ليأت الموت الآن». صار رمزا لحياة قد لا تستغرق طويلا غير أنها صارت مرئية. صار رقما صعبا لا يستهان به. الرجل الثلاثون في قائمة قد تم اعدادها على عجل ولم تتدخل الملائكة في تنظيمها. قتلى عشوائيون مثل الأحياء، مثل الفضائيات، مثل الحكومات. المهم أن يكون لدينا قتلى. يهمنا ان نذهب إلى الخبر مجللين بجنازاتنا. بعدها يقفز الشخص الثلاثون إلى الهاوية.

 

***

 

قال: «لمَ حشرتني أعمى وقد كنتُ بصيرا؟» قال: «ظلي لا يصل إلى الأرض. من يلفني بالعتمة؟» قال: «صوتي ينبعث من قلب حجر صامت. أبه سأخاطب الطير؟» قال: «شجرة تعرفني، تسلل إليها ضياعي، فانتبذت مكانا قصيا لتبكي» قال: «طاووسي لا يشم رائحة العشب وقد ابتل بالدم» قال: «وقد كنت طفلا، فلمَ تركتني أمي عند فم البئر، هل كان الذئب جائعا فأشفقت عليه؟» قال: «ذرني أخوض في الخطأ، فقد أصل إلى ضالتي يوما ما؟» قال: «بلدي أعمى مثلي. فمن منا يمد يده إلى الآخر؟»

 

***

 

في الهاوية لن يكف الرجل الثلاثون عن الكتابة ولا عن الكلام. هو يعرف أن هاويته هي هاويتي وهاويتك أيها القاريء. هاوية الأنتم وهاوية النحن وهاويتهم ايضا. ولكنه لن يحدد من هم أولئك الذين يعبر عنهم ضمير الغائبين. ما يعنيه فعلا أن يكون حاضرا في هاويته الشخصية. منفعلا بمصيره الذي لا يشبه أي مصير آخر. مطمئنا إلى أن ما وقع له لم يقع قضاء وقدرا بل بفعل فاعل مؤكد ومجنون. فاعل قد يكون هو. من هو هذا ال(هو)؟ أتأمله. لا يكفي الوصف. المشهد كله لا يصلح للوصف. بلد يموء مثل قطة في ساحة الاعدام. محفل لفلسفة التاريخ في الحديقة الخلفية لبيت مهجور. بلاط للخليفة في نفق يحفر في مزبلة. سليل أمراء القرى التي لم يمر بها البراق ولا ظله. الادمي الوحيد وقد استهلكت الارضفة قدميه. «أين نحن؟» يتساءل الرجل الثلاثون. ولكنه وحده. في الصورة وجهه على الشاشة ويداه في المطبخ فيما تجرب قدماه الركض حافيتين. «أنتما. أنتن. أنت. أنا أيضا سأكون جاهزا في اللحظة التي لن تُستعاد» شبيهه وقد امتلأ حزنا سينكره من شدة الحب.

 

***

 

«أهواك» أقول للشجرة لتنساني. للغيمة لتترفق بي. للبلبل ليغردني. للساقية لتجري بي. لبائعة الحليب لتسألني عن أمي. لقد صرت وغدا. هي ذي اسلحتي: باب بيتي ودمعة أبي وعباءة أمي. أهذا الذي أنا فيه؟ رماد سيشعل برقا بعيدا. ويوميء للغرباء: «تعالوا». البرية لا تغفر. البرية كلب ابيض. قلت: «أهواك» لمن لا أقصد الذهاب إلى صدرها. تسلقت الجبل لكي أكون خفيا. توقعت أن لن يراني أحد. كنت المهرج وكنت الحبل. كنت القناع كما لو أنني لست وجها. بالحشرات ومن خلالها وعن طريقها سأكون موجودا في الخليقة. «أهواك» أقولها لملاك يتخذ هيأة أنثى ليخدعني.

 

***

 

لا بأس. أقول للرجل الثلاثين. أنت الآن وحيد. الحكومة وحيدة أيضا. يقول: «الشعب وحيد أيضا» لقد سبقتني إلى البداهة. الموتى وحيدون أيضا. يغضب. «هل تحيي الموتى؟» يقول. «ها أنت تراني هنا. ولكن كيف يمكنك أن تراني حين أكون هناك؟» ما معنى أن تكون هناك؟ لن أسأله. أعرف أن الاسئلة بالنسبة لرجل ميت لا معنى لها. أشعر بالحيرة. قد أكون ميتا من غير أن أدري. أنت ميت وهم ميتون. قد يكون الشخص الذي يحاورني هو صورتي في مرآتي الخيالية. قد أكون أنا وقد عدت من بعد موتي في حاجة إلى أن أرى من يحاورني. الرجل المعفي من القتل. أنا الميت المؤجل. هو الميت العائد من المقبرة. يلقي الرجل الأقل بجملته مثل صفعة «لولاي لما نقص الرقم. لما زاد الشعب. انا موجود بقوة الحقيقة» لا بأس. سنتسلق الزقورة معا. أم تفضل أن نذهب إلى الملوية؟ هن هناك، في الاعالي، يمكننا أن نجد سلما يقود إلى الله. وهو الذي سيحكم بيننا.

 

***

 

الترجمة تخون. اللغة تتداعى. الصورة تخدع. الحقيقة تكذب. ماذا عن القتيل؟ القتيل هو الآخر يخون ويكذب ويتداعى ويخدع. القتيل لا يهمه شيء بقدر أن يكون ميتا. تلك فضيحته. فضيحة بلد ذهب. بلد إن استعدته لن تقبض إلا على هواء فاسد. الذين يلفقون بلدا في حاجة إلى قتيل واحد على الأقل لم يُقتل. تشابهت قلوبهم. عمي صم بكم. أكُتبَ علينا أن نرى بعيونهم ونسمع بآذانهم ونتكلم بألسنتهم؟ شوقي كبير إلى رؤية مستقبلهم بعد أن رأيت ماضينا.

 

***

 

«الوطن كلمة خشنة» يقول الرجل الثلاثون. «الخراف تخترع نايات تذكرها بمواقيت طاعتها» يقول. «الحكومة معنية باحصاء الجنائز ونقل الجثث على عربات خشبية تجرها الحمير وتزيين المقابر بالحراس الوطنيين واقامة الانصاب التذكارية في نهاية كل عزاء. وهو اجراء وقائي محض» يقول. «الحكمة تقول أن ننتظر» شعب في الادراج وعلى النقالات وفي خطب الجمعة وبين دفاتر الجباة وعلى موائد المندوبين في منظمات المجتمع المدني المستوردة وخلف جدران سجون سرية وفي كوابيس الميليشيات وخطط الاحزاب المريبة وفي لوائح حقوق الإنسان المكوية بعناية ينتظر. شعب ضيعته الأماني فضيع الوطن والحرية معا. فقد الثورة والثروة مجتمعتين. تخلى عن العلم والعمل. باشر السير على الماء وتسمين الاضاحي والركض بين الاضرحة. يقول لي الرجل الثلاثون أنه امتزج بالحديقة، بفكرها النباتي. شرب ماء أجراس أزهارها فتسامت نضارته. «أذهب متأخراً إلى الله خير من أن لا أذهب» تلك وصيته.

 

 

ثلاثة لن تمسهم النار

 

1

 

نجلس عند الحافة، لنغسل أقدامنا. تستحق الهاوية أن نسقيها خمرا.

 

2

 

عيني وقد شقتها عشبة ضوء لا تبارح موقعها عمياء.

 

3

 

اعطاني منديله ولم يمح دموعه. عصاه تهذي مثل يدي.

 

4

 

يبدو أنه تثاءب قبل أن يموت. كان الميت في طريقه إلى النوم.

 

5

 

الهاوية لا تتسع لقدميك. خطوتك تصنع جسرا.

 

6

 

جلست الموجة على يدي فيما كان البحر يتوارى خلف خضرته.

 

7

 

تحصي اصابعي في كل مرة تطفيء العاصفة فيها قنديلي.

 

8

 

ثلاثة لن تمسهم النار: أول من اخترعها وأول من طبخ عليها وأول من أطفأها.

 

9

 

قولي لظلك أن يبتعد من أجل أن تغمرني شمسك وحدها.

 

10

 

ورقة منها تسقط على كتفي صفراء فيما الخريف هرب بالشجرة.

 

رأت مسافرا هو أنا

 

في اليوم الذي سنعود فيه لن يكون هناك مطر. سنقبل خشب الأبواب وندفن الزهور الذابلة ونزيل الغبار عن الكراسي في الحديقة التي تدور حول نفسها مثل نقطة. في حقل نورها، بين أقدام حشراتها، هناك فتية مرحون. نظرة منهم تفتح بابا لقلعة خضراء، لكن تلك النظرة لن تقع على رصاصة عمياء تصرخ ألما. «لقد عدنا» صار التاريخ حيوانا يمشي على أربع. لنخترع إذاً اسما آخر للنار. تلك البرية تنشق عن أرامل مبهمات ويتامى ترعى اللقالق ضحكاتهم. «ضع يدك على الخطيئة تمحو ذنبا» تقول بائعة الحلوى وهي تراني مسافرا.

 

نم سعيدا أيها البلد

 

أربعاء من غير حشائش هي يوم آخر. يوم أزرق ينجو بنسائه من النوم. يحصي الزائر ما تبقى من أيام الأسبوع ويلوث أصابع يديه بحبر أبيض. «هنا ستنبت زهرة» يقول وهو يضع حجرا على حجر في محيط جسده. لم يره أحد. كان لا مرئيا مثل حصاة غطاها الموج. كان أبيض، تشحب قدماه وهما تنبعثان من خطواته المحلقة. قبل يومين صحا من الأحد المريض وغادر سريره ليحل زائرا في بلد ليس لمواطنيه عيون. ليس لهوائه ممرات. يكفيه أنه لم يكن مرئيا ليتأكد من قيامته.

 

شجرة في العاصفة

 

حدثني الطاووس عن وحدته فصرت أبكي. تذكرت أن الجمال وحده ذريعة. فكرة عن عيش مستقل. الصحون الصينية على المائدة تشبع العين لكن الفم يزدريها. شجرة صغيرة في صندوق زجاجي. شجرة هي أشبه بجناح طاووس ضائع، أوراقها تتشبث بالعاصفة. «لدي ما يسليك» قال «ضع قدما منك على قدم مني منسية في الطريق». جربت وصفته فشعرت أن جزء مني ذهب إلى خفائه. راقبت ذلك الجزء وهو يمتزج بالقطن الأزرق. ناديته فلم يلتفت. تذكرت أني كنت نائما وأن أحدا لم يكن يحلمني. الفراشة تُحتضر أيضا.

 

الأب في طفولته

 

هذه المرة قرر أن لا يكون أبا. نظر من النافذة فرأى قطة. قال: هذه أنا. فلما ماءت قال: لا يسعدني أن أموء مثلها. نظر بعيدا فرأى جملا. لم يكن ذلك الجمل سوى وهم. قال الأب السابق: هذا أنا. حين استعاد الجمل سيرته الأولى واختفى شعر الرجل بالتشاؤم. تذكر أن راجا هنديا أخبره ذات يوم حكاية. تقول الحكاية: حلمت امرأة فقيرة بأنها تحولت إلى حمامة. حطت تلك الحمامة على سطح أحد القصور ورأت حفلة عرس. في لحظة الهام تمنت أن تكون هي العروس. فكان أن جلست على العرش بدلا من العروس. حين التفت إليها الشاب لم يتعرف فيها على عروسه فصار يبكي. أشفقت المرأة على الشاب وقالت لنفسها: لا بأس سأعود حمامة. طارت وحطت على السطح فلم تر أحدا في باحة القصر.

 

في دروب الغابة

 

جرس ليدها. يدها التي تحمل فأسا. المرأة التي تحسن تهديم تمثالها، لها نظرة تشق المعدن في عزلته. مراعيها تستبد فلا يمكنها أن تستقبل مزيدا من الخراف الضالة. هي ذاتها لا تبعد إلا لكي تبدو أنقى. في الذرة منها عبارة مثل شرك ولإلتفاتها جرس تهذي كراته بالنسيان. هي ذي تحملني مرة أخرى على أن أتبعها. تلك الأخت التي تضع توأمها الذكر على حجر في دروب الغابة وتسأله المغفرة.

 

يوم في الآخرة

 

لم تقل لي أن الجرة مكسورة حين ذهبت الى النبع. التقطت غصناً ورمت العصافير به. صارت العصافير تضحك. فالغصن اختفى قبل أن يعود إلى الأرض. «حقل مسحور» قالت «وماء لا يُحمل» سمعت من يناديها من وراء النبع. «لن أكلم اليوم إنسيا» قالت ورمت عباءتها على شجرة رأتها تطير. لقد حملت العصافير الشجرة عاليا فيما لم تجد المرأة ما تستر به عريها.

 

من أجل نبتة مسحورة

 

عندما تسقط تفاحة يضطرب قلب الحارس. هناك نبوءة بأثم لا يُغتفر. ألم الوسادة الذي يتسلل إلى ريش مذعور يستيقظ في نظرة نملة وحيدة. ببطء تنسحب الأنوثة إلى أحشائها. تمتزج لمعة التفاحة بالرائحة. هناك ما يتعفن، في المناخ كما في القلب مثل ثمرة متأخرة. شتاء يعبيء أكياسه بالتنهدات. «هل قلت أنه الشتاء؟» ربما ستكرهني ساعة يزول النهار من غير أن تمطر. ليتها تمطر. سيكون علي لحظتها أن أشكر الله لأنه وهبني امرأة تشبه النبتة التي خبأتها في المرآة.

 

غراب وحيد

 

كنا نهبط من الجبل مهتاجين حين اعترضت طريقنا عربة ملأى بالنرجس البري. فجعنا. كان النرجس الأبيض قد مد نسيجه على السهوب كلها. ما معنى أن يحمل المرء نرجسا إلى بيته؟ يكفيه أن يفتح النافذة ليمتلأ بيته نرجسا. صارت المرأة المسنة التي تجر العربة تنظر إلينا بذعر كما لو أنها فوجئت بخروج وحشين من البحيرة. لم يخف ذعرها حزنها. «لقد غطيته بالنرجس البري لئلا تراه الغربان» رفعنا رأسينا فرأينا طيورا سوداء تحلق فوقنا. أزاحت عربتها عن الطريق قليلا فصار في إمكاننا أن نستأنف الهبوط. «كان يكره الغربان مثلما يكره الموت» هبطنا. أربعة أقدام لم تفارقنا فيما كان الموت يرتقي الجبل وحيدا.

 

وردة كالحجر

 

«ليت الحجر يعود يوما» قال لي البدوي فلم أفهم. كان يفرش عباءته على الرمل ليصلي حين رأيت حجرا ناعما في الأفق. حجرا يجر وراءه جوقات من الحمام ودروبا من الحرير. التفت إلى الرجل فلم أره. بعد سنوات التقيت ذلك البدوي مرة أخرى لكن في أحد شوارع امستردام. تذكرني فقدم لي وردة وهو يقول: «لا تنس أن الوردة تهذي كالحجر تماما». كانت الوردة ثقيلة كحجر. تذكرت أن ذلك الحجر كان خفيفا مثل وردة.

 

إنسي الحاج والعصافير

 

لم تكن الخطة مفهومة. نظفت الشجرة من الأصوات التي علقت بها. كانت الكلمات تسقط على الأرض فتحملها الريح بعيدا. حين التقيت إنسي الحاج عام 2000 خُيل إلي أن الطريق التي تقود إلى نيتشه والأمام علي صارت سالكة. ما علي سوى الانتظار.عشر سنوات مرت عاصفة ولم أضع قدمي على تلك الطريق. ما من لقاء قريب إذاً. صرت أنظف الأشجار من الكلمات كمن يكتب روايته الأولى. وإذ أرى العصافير تلتقط غذاءها من وليمة إنسي الحاج أشعر بالبهجة. لقد حظيت على الأقل بما يبهج عصافير القطب الشمالي.

 

الزقزقة

 

لا عصفور في الفضاء، ولكن الزقزقة تملأ الحقل المجاور

 

خفة متخيلة

 

منذ يد لم تقع على ورقة بيضاء، حلم فلوبير بتأليف كتاب عن اللاشيء. لم يكتبه. ليس للحجر عينان. فمه يلتهم الفراشات. أقصد الحجر وليس فلوبير الذي اخترعته مدام بوفاري وهي التي ألفت ذلك الكتاب. حين انتشر تاثير الزرنيخ في جسدها صارت هي اللاشيء الذي حلم به كاتبها. ف(لاشيء) هو ظلها الذي لا يزال يرود الطريق الريفية وحيدا.

 

شارع النهر

 

بعربة ومن غيرها. الأوغاد كلهم وصلوا. ما زالوا هناك. أعرف أنهم ماتوا جميعا. غير أنهم لا يزالون هناك. يحملون المظلات لان المطر يحلمهم. لانهم يأكلون أصابعهم ندماً، صارت أقدامهم تتلاشى فيبطئون. تبقى عيونهم على الواجهات الزجاجية بلهاء وحمقى. لانهم بلا أمهات. لانهم جنود سابقو ن. لانهم اوغاد انتهوا قتلى عن أبواب بيوتهم. قبل أن يصلوا الى الوسائد، قبل أن يبتلعهم النوم. قبل الملائكة بمتر واحد.

 

شاعر وناقد من العراق / برطانيا

started 1 MAY 2010                 email : info@ila-magazine.com

design: gitta pardoel logo: modhir ahmed   © ila-magazine