قصص

خالد شاطي


1-  ( ضحكة الديكتاتور )

انتبهنا - أحمد وأنا - إلى أن صورة الديكتاتور لاتزال قائمة  عند مدخل بناية مدرسة البنات رغم سيطرة رجال الإنتفاضة على المدينة منذ أيام عديدة . أوقفنا بحثنا اللامجدي عن الطعام . تسلقنا جدار المدرسة ومزقنا الصورة من أعلاها فظهرت صورة أخرى للديكتاتور بالزي المدني منخرطاً في قهقهته الشهيرة . قال أحمد : 
- ولك هذا يمكن يضحك علينا !
في اليوم التالي ، ونحن نفر عبر البستان ، سمعنا تلك القهقهة . شعرنا بها  تنبعث من الأرض الندية ؛ من الحشائش وأغصان وجذوع الأشجار وتطاردنا كريح مجنونة . خمس وعشرون سنة مضت ويخيل إلي أحياناً أنني أسمع صدى تلك القهقهة الساخرة يطاردني حتى اليوم .

 

2- ( القمل )

خرجت من السجن أبيض البشرة ، قذراً ومليئاً بالقمل . كنت صغيراً وقتها ، وكم أدهشني أن أرى للقمل أعشاشاً في الأرض مثل النمل . وفي طريقي إلى البيت كنت سعيداً أنني لم أخرج وحدي .

في الحديقة وضعت أختي الكبيرة رأسي في حضنها وراحت تفليني ساعات . كل قملة تخرجها كانت تضعها في راحة يدي . أتساءل إن كانت كل قملة أطلقتها في الحديقة الصغيرة تعي أنها أصبحت حرة  ، وتحتفظ لي بالجميل .

 

3- ( كان ينوي )

.... ستجد في زنزانات الأمن - إن ساقك الحظ إليها - رجالاً هاجموا قوات الجيش ومقرات الأمن والحزب ومراكز الشرطة ؛ اغتالوا مسؤولين في الدولة ورفاقاً في الحزب أو وجدت لديهم أسلحة لفعل كل ذلك . ستجد طلاب مدارس صغار وزعوا منشورات تدعو للثورة ضد القائد والحزب والحكومة . ستجد أغلب أشقياء المدينة هناك متهمون جزافاً بالتهرب من الجيش أو التزوير وستكتشف أنهم كذلك بالصدفة . سترى في ساعة متأخرة كل ليلة واحداً منهم أمام الزنزانات تنهال عليه الكيبلات بوحشية حتى يصرخ : ( أنا مَرَه ) عشرين مرة . لأنه لايجوز في قن الدجاج هذا والمسمى بالوطن أن يكون هناك ديكان . ومن بين الذين احضروا بسبب التطاول على مقام السيد الرئيس أو عائلته وهم كثر وأغلبهم نتيجة دعاوى كيدية ؛ ستجد عجوزاً لايمكن أن يخطر في ذهنه أن يسبّ ابنه الاصغر في سره ؛ سيقول لك : ( زَعَمْ أنا قايل عن الريس : ابن أم الريولة ) . ومن المستحيل أن لا تلحظ أحد الشباب ؛ إن لم يكن بسبب نظراته الزائغة وحركته الدائبة فبسبب أن كل من ذكروا أعلاه وكل الضباط والحراس يتهكمون عليه ليل نهار ، وينادونه ب ( كان ينوي ) . سيتبرع أي واحد ليقول لك إن ( كان ينوي ) - وهو الذي يخشى مغادرة محلته - نوى ذات نزق أن يهرب خارج العراق وأنه همس في أذن أحدهم مرةً بتلك النية .

 

4- ( بندقية )

في أوج أيام الانتفاضة الشعبية ؛ عاد جاري من الحرب . قطع مئات الكيلومترات مشياً على قدميه . وفي الوقت الذي تخلى فيه أغلب الجنود المنسحبين عن بنادقهم وذخيرتهم ومعداتهم العسكرية لقاء رغيفي خبز وبضع حبات من الطماطم أو دريهمات يستقلون بها سيارة للوصول إلى مدنهم ؛ عاد هو متكأً على بندقيته ؛ بساقين متورمتين وبطن ملتصقة بظهره ورأس منتفخة بوقائع مهولة رافقت انسحاب الجيش من الكويت ، قال أنه سيرويها لنا فيما بعد . كان يفكر أنه سيعود ببندقيته إلى وحدته العسكرية إن أعيد تشكيلها ثانية ؛ هذا إن بقي منها شيء أو نجى منها أحد غيره . أو ربما سيسلمها إلى مقر الفرقة الحزبية أو مركز الشرطة إن بقي لأحدهما وجود بعد الآن .
بعد ثلاثة أيام ومن مخبئي في الطابق العلوي من بيتٍ فرَّ أصحابه ساعة انخرط حينا في الانتفاضة ؛ راقبت الجنود الذين اجتاحوا الحي وراحوا يفتشون البيوت . لمّا عرفوا قصة جاري ورقم وحدته لم يفتشوا بيته ، وفيما هم ينصرفون سأله أحدهم السؤال التقليدي إن كان لديه سلاح . ( نعم ) قال لهم بزهو وجلب لهم البندقية من الداخل . شمّ الضابط فوهة البندقية ثم أمره بمرافقتهم . وبساقين متباعدتين كما لوكان بينهما عصا سار جاري معهم على جانبي قدميه متمايلا بصورة أكثر من التي عاد بها . 
ايهِ يا جاري المسكين .. قايضتَ بندقيتك بحفرةٍ ستقبرُ فيها حياً . ألم يكن أجدى لك لو قايضتها بوجبة طعام كنتَ في أمس الحاجة لها ؛ حتى لو كانت وجبة طعام بائسة.

 

 

قاص من العراق

 

design: gitta pardoel logo: modhir ahmed   © ila-magazine