حامد ندا سريالي كان مصريا بغرائبيته

فاروق يوسف

 

مصريّ من زمن آخر. هو زمن السريالية المصرية، بالرغم من أنه لم يكن عضوا في المجموعة السريالية. ربما لأنه اكتشف السريالية خارج النظريات الفرنسية المتاحة من قبل أندرية بريتون.

فإذا كانت السريالية تعني "فوق الواقع" فإن الرسام المصري حامد ندا اكتشف سرياليته الشخصية في الواقع نفسه. في طفولته التقطت عيناه مشاهد غرائبية امتزج من خلالها الوهم بالحقيقة وامتلأت أذناه بأصوات تقع في المسافة التي تفصل بين الحياة والموت وهي أصوات تذكّر بالغياب وكانت روائح البخور تحيط به من كل جانب.

بين أروقه متحفه البشري

لقد عبر ندا إلى الجهة الأخرى من الحياة مستعينا بكسل الشحاذين وطلاسم المشعوذين والأناشيد الدينية التي زخرف في ما بعد لوحاته بإيقاعاتها التي صنعت أشكالا بشرية كانت بمثابة إرثه الشخصي الذي خرج به من المتحف البشري الذي صنع بداياته.

إلى جوار ذلك المتحف عاش ندا في متحف معماري قوامه القاهرة القديمة بمساجدها التي تعود إلى مختلف العصور. وهو ما وهبه مسرحا أسطوريا تتحرك فيه شخصياته التي التقطها من متحفه البشري.

هذا رسام الحياة الشعبية في أقصى حالات هذيانها. لقد ارتبط مصطلح السريالية الشعبية بمسيرة هذا الرسام الفنية. وهو مصطلح قد ينطوي على قدر من التضليل، ذلك لأنه مستعمليه يتحاشون الاعتراف بأن الفنان كان قد رسم ما رآه مباشرة بأسلوب يذكّر بالفن المصري القديم مع إضفاء شيء من السذاجة والفطرية.

ندا وإن رسم أحد كتب جورج حنين، رائد السريالية في مصر فإنه لم يكن سرياليا إلا بشروطه الأسلوبية لتي لم تكن مقبولة بالنسبة إلى الجماعة المصرية التي كانت رائدة في الانسجام مع طروحات الأصل الفرنسي.

إن كان حامد ندا سرياليا فإن سرياليته هي صنيع تجربته الخاصة التي ستكون في ما بعد واحدة من أهمّ المرجعيات لفهم الواقع المصري في فراقه لواقعيته.

قاهر الظلام في مرسمه

ولد حامد ندا عام 1924 بالقاهرة، قريبا من ضريح السيدة سكينة، وكان شارع التلول الذي يقع فيه ذلك المنزل يتميز بمبانيه ذات الطرز المعمارية المختلفة التي تحيلنا إلى حقب تاريخية مرت بمصر، أهمها المملوكية والعثمانية، إضافة إلى مساجد الأولياء التي كانت تشهد إقامة الموالد الشعبية، بكل ما يرافقها من فعاليات ثقافية (ترفيهية) شعبية مثل السيرك وحلقات الذكر والإنشاد الديني وصندوق الدنيا وسواها.

مكّنته خبرته في إعادة رسم لوحات كبار الرسامين من القبض على فرصة حياته، حين اهتم به معلم الرسم في الثانوية التي كان يدرس فيها وكان ذلك المعلم هو الرسام حسين يوسف أمين (1904 ــ 1984) الذي كان ميالا إلى اتّباع الطرق غير التقليدية في تعليم الفنون وهي الطرق التي تستند على حرية التعبير والثقة بالخيال.

وكان من طلابه إضافة إلى ندا، عبدالهادي الجزار وإبراهيم مسعودة وماهر رائف وكمال يوسف ومحمد خليل. لقد اندفع المعلم في حماسته لمواهب طلابه إلى درجة قيامه بتأسيس “جماعة الفن المعاصر” التي أقامت معرضها الأول عام 1946.

بعد عامين التحق ندا بمدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة. هناك التقى بمعلّميه اللذين تركا أكبر أثر في تربيته الفنية وهما الرائدان أحمد صبري (1889-1955) ويوسف كامل (1891-1971).

أثناء دراسته الفنية عمل رساما وناقدا أدبيا في المجلة الأدبية “الثقافة” وكان ذلك العمل فرصة له لكي يكون قريبا من رواد الثقافة المصرية المعاصرة مثل طه حسين ولويس عوض وصلاح عبدالصبور وسهير القلماوي.

عام 1956 صار عضوا في مرسم الأقصر الذي أنشأه الرسام الرائد محمد ناجي عام 1941 من أجل تشجيع الرسامين المصريين على التعرف على أساليب الفن المصري القديم في وادي طيبة.

عام 1957 التحق بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية معلّما للرسم الزيتي، غير أنه غادر وظيفته بعد ثلاث سنوات (1960) ليلتحق بمنحة دراسية في أكاديمية سان فرناندو بمدريد.

بعد عودته إلى مصر عُيّن أستاذا في مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة ليستمر في عمله رئيسا لقسم الرسم الزيتي في المدرسة نفسها حتى عام 1977، حيث تمت إحالته إلى التقاعد.

ندا الذي شغف بالرسم بطريقة مجنونة لم يختر طريقة موته بالتأكيد، غير أن الطريقة التي مات بها قد أضفت على حياته هالة الرسام الذي تحدّى الظلمة. ففي أحد أيام عام 1990 انقطعت الكهرباء في مصر كلها وكان ندا في مرسمه الواقع في حي الغورية، حينها حاول الرسام الخروج من المرسم غير أنه تعثر، وهو ما أدى إلى موته بعد أيام.

جديد بمصريته القديمة

حامد ندا فنان شعبي، لا بمعنى استجابته للذائقة الجمالية المشاعة بل باستيعابه للمزاج الشعبي المصري في حالاته المختلفة. وهو مزاج يستقيه الفنان من مصادر بصرية وصوتية لا تكفّ عن الامتزاج، بعضها بالبعض الآخر. وهو ما يسّر أمامه أن يصوّر حركة الناس العاديين وفي الوقت نفسه يتماهى مع حكاياتهم التي لا تنتهي.

ما لم يتخل عنه ندا من أجل أن يكون معاصرا هو ذلك التقليد المصري العريق الذي يهب الحكاية المرتبة الأولى في سلّم الاهتمامات اليومية. بالنسبة إلى المصريين ما من شيء يمكن ألاّ يدخل في صلب حكاية ما.

رسوم ندا هي في الوقت نفسه مرويات. فالرسام الذي عاش طفولته في حي شعبي-تاريخي كان قد عثر على إلهامه المزدوج في ما عاشه في الحي الشعبي وفي ما رآه في الأقصر.

لقد التقط ندا الخيط الخفي الذي يصل بين المصريين القدماء والمصريين الجدد. وهو ما لم يهتد إليه أيّ رسام مصري آخر. ذلك الخيط الذي ينطوي على الخفة هو ما شجع الرسام على أن يقبل بالفكاهة الشعبية، كونها نوعا من التقليد المتوارث.

في بداياته كان حامد ندا قد انساق وراء المعاني المأساوية التي انطوت عليها الأناشيد الدينية، غير أنه حين تعرف على حياة الأفّاقين والمشعوذين من حوله أدرك أن تلك المعاني لم تكن إلا ستارا، صار عليه أن يخترقه.

خطأ في التعريف

هل كان حامد ندا سرياليا حقا؟ في معرضه الذي أقامه عام 1959 وزّعت الجماعة السريالية المصرية كتابها الصغير “المجهول لا يزال”. وهو عبارة عن نداء أخير بعد أن لفظت السريالية الفرنسية أنفاسها في باريس. كان ذلك المعرض مناسبة للسرياليين المصريين لكي يقولوا “وداعا”.

لم يكن يخطر في ذهن ندا أن يكون آخر سرياليي مصر.

فالرجل رسم الحياة التي أحبّها كما تخيّلها مصريا. ليست رسومه إلا فضاءات لما عاشه طفلا وما تخيّله شابا واهتدى إليه رجلا ناضجا. أمّا إذا كانوا مصريين سرياليين، عبر عصورهم فتلك مفارقة لم يصنعها الرسام الذي لم ينتم إلى الجماعة السريالية. كان هناك دائما خطأ في التعريف ألحق ندا بالسرياليين من غير حق.

 

شاعر وناقد من العراق / بريطانيا

الأعمال المرفقة للفنان حامد ندا

 

design: gitta pardoel logo: modhir ahmed   © ila-magazine